انت هنا : الرئيسية » مقالات متنوعة » الأمن الأمن يا أهل الأردن

الأمن الأمن يا أهل الأردن

الأمن الأمن يا أهل الأردن

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

لقد امتنّ الله على الخلق بنعمة الأمن، فقال سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص: ٥٧].

وقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: ٣ – ٤]

والأمن نعمة عظيمة وعد الله بها عباده الموحدين فقال عزّ وجل: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: ٨٢].

والظلم هنا هو الشرك كما بينته السنة لقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

وعن عبيد الله بن محسن الأنصاري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» رواه الترمذي والبخاري في الأدب المفرد.

ولقد عني الإسلام بالأمن أشد العناية، فشرع الأوامر ونهى عن الفساد والشرور وشرع الحدود والزواجر الرادعة قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

فالأمن هو: اطمئنان الفرد والأسرة والمجتمع دونما خوف على النفس والعرض والمال، والأمن من أن يعتدي عليهم أحد دون وجه حق.

ومشتقات مادة الأمن في كتاب الله عز وجل أكثر من ثمانمائة (800) مرة.

فالمؤمنون والإيمان والأمانة والأمين والأمن، كلها كلمات تدل على معنى الراحة والسكينة، وتوفير السعادة والاستقرار، ورغد العيش، والبعد عن الخوف والحزن لمن أطاع الله سبحانه، واستجاب لأمره، وعكس ذلك لمن عصاه وخالف أمره.

والمطالبة بالحقوق ورفع الظلم تدور مع تحقيق الأمن والمحافظة عليه بكل السبل المرعية، لا بوقوع مفاسد كبرى من خلال المطالبات بالحقوق.

والإخلال بالأمن إخلال بالضروريات الخمس والمفاصد الشرعية التي راعاها الإسلام وقامت الشريعة عليها، وهي: “الدِّين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال”.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في أكبر مجمع من مجامع المسلمين وهو حجة الوداع: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا فليبلغ الشاهد الغائب” رواه البخاري ومسلم.

وأما وسائل الضغط والتأثير من مظاهراتٍ واعتصاماتٍ وإضراباتٍ، وعصيان مدني وغيرها من الوسائل لأجل إصلاح الفساد وتغيير المنكر، فالواجب النظر فيها من خلال التساؤلات التالية: هل هي سبلٌ شرعيةٌ أم لا؟ وإلى ماذا تؤدي؟

وقد تقرر في أصول الشرع، ومن عقائد أهل السنة والجماعة الحرص على الاعتصام ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) ولأحاديث عدة منها قوله صلّى الله عليه وسلّم: “يد الله مع الجماعة” رواه الترمذي وغيره.

كما تأكد شرعا أن من مُلِمّات الأمة ونوازلها مناطة بأولي الأمر والعلماء لا بالجمهرة. قال الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا).

وفي هذه الآية خطابٌ للطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم- وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة، وهم العلماء لأنهم عَلِمُوا ما ينبغي أن يُكتم وما ينبغي أن يُفشَى، كما ذكر ذلك البغوي وغيره.

وأما الكثرة فليست دليلا وحدها على الحق قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) فالمعيار الحق للطريقة الصحيحة هو الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله بفهم سلف الأمة.

وفي الاضرابات والاعتصامات مخالفات شرعية عديدة، قد تجتمع كلها في حالات، ويجتمع عدد منها في حالات أخرى، وألخص أبرز هذه المخالفات بما يلي:

تعريض النفس للقتل نتيجة المصادمات التي قد تحصل  في كثير من الحالات في المواجهات وهو محرم لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، ولقوله سبحانه: (ولَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ولما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً”.

والإضراب عن العمل في المؤسسات الحكومية فيه عصيان لولي الأمر المسلم، ويتعارض مع أمر الشرع بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت، قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من عندكم من الله فيه برهان “.

ومن أضرارها: الإخلال بالعقود والعهود؛ لأن العامل المضرب عن العمل لم يتضرر من فوات حق له في العقد، وإنما يطلب تحسين وضعه بالزيادة في الحقوق أو التخفيف عنه في العمل، والوفاء بالعقود واجب لعموم قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، ولقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا).

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “المسلمون عند شروطهم” أخرجه الدارقطني .

ومن مفاسدها الاعتداء المصاحب لبعضها على الممتلكات العامة وغيرها، إضافًة إلى تعطيل مصالح الناس، وقد قال تعالى: (ولَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

وفيها إضراره بدين الفرد أولا من حيث كونها عصيان لله من حيث أصل العمل، ومما قد تؤول إليه الأمور في كثير من الأحيان من شرورٍ ومفاسدَ كثيرة.

وهي مفتاح للخروج على ولاة أمور المسلمين سواءٌ أراد هؤلاء ذلك أم لم يريدوه.

وفيها تفريقٌ لأمر الأمّة، ومخالفة للأمر بلزوم الجماعة.

وتعرض الأبدان للضرر من تعطيل للسير في طرق المستشفيات، ومن مزاحمة شديدة.

ويحصل فيها الضرر بتخريب الممتلكات العامة والمؤسسات والشركات والأسواق وغيرها، وتعرض المحلات و المؤسسات للنهب والسلب.

وهي من أعظم أسباب الفتن وأسباب الشرور في المجتمع، لما ينتج عن ذلك من أحزابٍ متصارعةٍ تورث الحقد والضغينة بين أصحاب البلد الواحد.

وهي من أسباب ظلم الناس والتعدي عليهم بغير حق، من تعطيل لمصالحهم، وتأخير قضائها.

وفيها مشاركة النساء بالمزاحمة، وبعضها ربما يكون الكتف بالكتف مع الرجال، وهذه فيها تعدٍ وانتهاك لمكانة المرأةـ، وإقصاء عن دورها الصحيح في الأمة.

كما أنها تؤدي إلى الفوضى العارمة في البلاد من المتظاهرين وتفتح أبوابا أخرى في ذلك لجهاتٍ متعددةٍ.

وتجعل للسفهاء وللرويبضة رأياً وسلطة في الأمة في وقت لم يكن لهم دورٌ فيها .

وإن الناظر لما سبق وغيره يجزم بأن هذه الآثار والمضار تعود على الضرورات الخمس من الدين والنفس والنسل والعقل والمال التي دعا الإسلام للحفاظ عليها، وقد تقرر عند أهل العلم تحريم الوسائل باعتبار مآلاتها، والواحدة مما سبق فيها من الشرّ ما فيها فكيف إذا اجتمعت مع غيرها؟

وأما قول بعض الناس إن بعض هذه المظاهرات إنها سلمية، فيجاب عن ذلك بأنها قد تكون سلمية في أول الأمر ثم تتحول إلى أن تكون تخريبية، إضافة لكونها سبيلا غير صحيح بالنصح للحاكم المسلم وولي أمره.

ختاما: أسأل الله سبحانه أن يديم على أردننا وبلاد الإسلام الأمن والإيمان، وأن يصلح حالنا حكومة وشعبا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

اكتب تعليق

© 2013 القالب مقدم اهداء من تطوير ويب سايت عرب

الصعود لأعلى