انت هنا : الرئيسية » مختارات » كيف تقف على عيوب نفسك؟

كيف تقف على عيوب نفسك؟

كيف تقف على عيوب نفسك؟

اعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، فمن كانت له بصيرة، لم تخف عليه عيوبه، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج.

ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوبهم، يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه.

 فمن أراد الوقوف على عيب نفسه فله في ذلك أربع طرق:

الطريقة الأولى :

أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، يعرف عيوب نفسه وطرق علاجها، وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده، فمن وقع به، فقد وقع بالطبيب الحاذق فلا ينبغي أن يفارقه.

 الطريقة الثانية :

 أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً، وينصبه رقيباً على نفسه لينبهه على المكروه من أخلاقه وأفعاله .

 وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول : رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا .

وكان عمر يسأل سلمان رضي الله عنهما عن عيوبه، فلما قدم عليه قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ فاستعفى، فألح عليه، فقال:بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل! قال: وهل بلغك غير هذا؟ قال: لا .فقال: أما هذان فقد كفيتهما.

 وكان عمر رضى الله عنه يسأل حذيفة رضى الله عنه: هل أنا من المنافقين ؟

وهذا لأن كل من علت مرتبته في اليقظة زاد اتهامه لنفسه، إلا أنه عز في هذا الزمان وجود صديق على هذه الصفة، لأنه قل في الأصدقاء من يترك المداهنة، فيخبر بالعيب أو يترك الحسد، فلا يزيد على قدر الواجب .

وقد كان السلف يحبون من ينبههم على عيوبهم، ونحن الآن في الغالب أبغض الناس إلينا من يعرفنا عيوبنا، وهذا دليل على ضعف الإيمان، فإن الأخلاق السيئة كالعقارب، لو أن منبهاً نبهنا على أن تحت ثوب أحدنا عقرباً لتقلدنا له مِنَّة، واشتغلنا بقتلها، والأخلاق الرديئة أعظم ضرراً من العقرب على ما لا يخفى .

الطريقة الثالثة :

 أن يستفيد معرفة نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط تبدى المساوئ، وانتفاع الإنسان بعدو مشاجر يذكر عيوبه، أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يخفى عنه عيوبه .

الطريقة الرابعة :

أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه.

ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى، فما يتصف به غيره فلا ينفك هو عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره، وناهيك بهذا تأديبا.

 فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب، وهذا كله من حيل من فقد شيخا مربيا ناصحا في الدين، وإلا فمن وجده فقد وجد الطبيب فليلازمه فإنه يخلصه من مرضه.

من كتاب “مختصر منهاج القاصدين” لابن قدامة المقدسي رحمه الله.

اكتب تعليق

الصعود لأعلى