انت هنا : الرئيسية » قضايا اجتماعية » صفحات من سيرة شيخنا العلامة الفرضي الأصولي عبدالصمد بن محمد الكاتب

صفحات من سيرة شيخنا العلامة الفرضي الأصولي عبدالصمد بن محمد الكاتب

صفحات من سيرة

شيخنا العلامة الفرضي الأصولي

عبدالصمد بن محمد الكاتب

رحمه الله

 (1349 -1431هـ)

بقلم

أ.د عاصم بن عبدالله القريوتي

بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

         إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن خير الكلام كلام الله عز وجل وأحسن الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ  بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكلَّ ضلالةٍ في النار .

فيقول الله سبحانه: يَرْفَع الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” [المجادلة:11].

ولذا كان علماء الشريعة شيوخ الأمة، ولهم مقام الأبوة في الدين، كما يقول النووي – رحمه الله – في معرض بيانه لأهمية معرفة الفقيه والمتفقه لشيوخه وأنَّ ذلك من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، وتقبح به جهالتها:

“إنَّ شيوخه فى العلم آباءٌ في الدين، وصلةٌ بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل الإنسان بالوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنَّه مأمورٌ بالدعاء لهم، وبِرِّهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم، وشكرهم”.

ولمّا كان من حقِّ العلماء على تلاميذهم ومن له فضلٌ عليهم أن يكتبوا شيئًا من مآثرهم، سطَّرت هذه الكلمات بترجمة موجزة لشيخنا العلامة عبدالصمد بن محمد الكاتب – رحمه الله – ، علّها تفي ببعض حقِّه، رحمه الله وجزاه خيرا.

وأسميتها:

صَفحاتٌ مُشرقةٌ من سِيرةِ شيخنا العلاّمةِ الفَرَضيِّ الأُصوليِّ

عبدالصمد بن محمدٍ الكاتب

رحمه الله

 

توطئة:

قدمت المدينة عام 1393هـ للدراسة في الجامعة الإسلامية  وكانت برئاسة سماحة شيخنا الإمام العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وتعرفت آنذاك على الفقيه الأصولي الفرّضي الداعية إلى التوحيد والسنة في وقته: فضيلة شيخنا عبدالصمد بن محمد الكاتب -رحمه الله-، عن طريق أخينا الشيخ خليل الحياني البغدادي -وفقنا الله وإياه لكل خير – إبان تدريس شيخنا بالمعهد الثانوي فيها.

        وكانت علاقتي معه وطيدة جدًا من خلال الأنشطة الدعوية الكبيرة في المدينة وغيرها، ومن خلال اللقاءات التي كان يقيمها في منزله، ومن خلال الرحلات المتعددة  معه للدعوة، ثم ازدادت الصلة بالمصاهرة مع الشيخ عام 1396هـ، رحمه الله وجزاه خيرا.

اسمه ونسبه:

هو الشيخ العلامة الفرضي الأصولي: عبدالصمد بن محمد – الملقب بالكاتب- بن محي الدين بن علوان الصغير بن علي حسن تيّل الأصفري، و (تَيِّل) من قبيلة الأصافرة، كما ذكر بنفسه ذلك مرّات رحمه الله.

مولده:

ولِد شيخنا في جنوب كيرلا بالهند، يوم السابع عشر من ذي القعدة عام ألف وثلاث مئة وتسعة وأربعين هجرية،الموافق الرابع من أبريل عام ألف وتسع مئة وواحد وثلاثين ميلادية.

نشأته:

       نشأ الشيخ في بيتِ علمٍ وفضلٍ، إذ كان والده الشيخ محمد الملقب الكاتب (ت1303-1384ه) لكونه كان كاتبًا للشيخ أحمد –  -عالماً كبيرًا، وداعيًا وخطيبًا ، من أبرز الدعاة إلى التوحيد، وكان ذا حافظة قوية، إذ كان يحفظ ألفية ابن مالك حفظًا قويًّا حتى أنه كان يحفظها منكوسةً، وكانت له جهودٌ كبيرة في إنشاء المؤسسات التعليمية والمجلات العلمية الدعوية في الهند، إذ أصدر مجلة الإصلاح، ثم مجلة الإرشاد، ثم مجلة المرشد.

        وكان جد شيخنا عبدالصمد من جهة الأم الشيخ أحمد –رحمه الله- الملقب بكني أحمد من علماء الشافعية الكبار، وله مؤلفات في الصرف والنحو وعلم الفلك، وكان يحفظ كتاب المجموع شرح المهذب للنووي.

         وكان شيخنا يذهب إلى المدارس الدينية وعمره أربع سنوات ونصف صباحًا، وبعدها يتجه للمدارس الحكومية لدراسة العلوم العصرية.

        وكان لهذه النشأة الأثر الكبير في سيره العلمي والدعوي والخطابي، إذ كانت أول خطبةٍ خطبها وعمره آنذاك اثنا عشر سنة.

شيوخه في الهند:

       أولهم والده الشيخ محمد الكاتب – رحمه الله- إذ قرأ عليه القرآن الكريم مرات. وتعلم منه شيئًا من العربية في صغره، ولم يقرأ على أبيه كثيرًا؛ لكثرة انشغال أبيه في المؤسسات التعليمية ولأسفاره للدعوة الشهر والشهرين.

-شيخه وجدّه من جهة الأم الشيخ أحمد.

-قرأ القرآن على الشيخ علي حسن.

-الشيخ عبداللطيف.

-الشيخ عبيد الله.

-الشيخ جمال الدين.

قدومه للمملكة  العربية السعودية:

       حكى شيخنا –رحمه الله- قصةً أول قدومه للملكة، وذلك أنَّه لما أراد والده الشيخ محمد الكاتب – رحمه الله – الحج عام ( 1367هـ) ألف وثلاث مئة وسبع ستين للهجرة، وكانت الحجة الثالثة له، وكانت بالباخرة من بومباي إلى جدة.

        وقبل سفره ذلك قالَ الشيخ عبدالصمد لأبيه  غفر الله لهما: أريد أن أتعلم العربية والكتاب والسنة في بلاد العربية إما في مكة أو المدينة، ولقي هذا الطلب من أبيه قبولًا وارتياحاً، ووعده بذلك، فلما جاءَ للحج، ووصل مكة استشار الشيخ عبدالمهيمن أبا السمح، وأخاه الشيخ عبدالظاهر والشيخ عبدالله خيّاط – رحمهم الله – وهم من أئمة الحرم المكي آنذاك- بشأن المجيء بابنه إلى مكة، فأشاروا عليه بأنْ لايرسله، ولعل ذلك لحاجته إلى من يرعاه في ذلك العمر فيما يظهر.

        وكان والده الشيخ محمد الكاتب – رحمه الله – قد اجتمع آنذاك في تلك السفرة مع الشيخ محمد سلطان المعصومي – رحمه الله – في مكة المكرمة، وهو من أئمة الحرم أيضًا ومؤلف كتاب ” المشاهد المعصومية” و” هدية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان”، وله اسم آخر بعنوان: ” هل المسلم ملزم باتباع مذهب من المذاهب الأربعة؟”.

        ثم ذهب الشيخ  محمد بعد ذلك إلى المدينة، فاجتمع بالشيخ العلامة عبدالرحمن بن يوسف الإفريقي - رحمه الله – مدير دار الحديث بالمدينة.

        وأما دار الحديث فهي مدرسة أهلية أسسها الشيخ أحمد بن محمد بن عبدالرحمن الدهلوي – رحمه الله – عام 1350هـ بترخيص من الملك عبدالعزيز آل سعود – طيب الله ثراه – وذلك لتدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم النافعة، وتخريج متخصِّصين على نهج المحدثين لدعوة النَّاس إلى الإسلام ونشر السنَّة والعقيدة الصحيحة.

        وفي لقاء الشيخ محمد بالشيخ العلامة عبدالرحمن الإفريقي أخبره عن رغبة ابنه عبدالصمد في الدراسة في مكة أو المدينة، فرحَّب الشيخ عبدالرحمن الأفريقي بذلك، وقال له: أرسله، وسيكون ابنًا لي،وسأكون له الأب الثاني.

        ثم كلّم بعدها إمام المسجد النبوي الشريف الشيخ عبدالعزيز بن صالح - رحمه الله – برغبة ابنه عبدالصمد – في الدراسة في المدينة، ولم يذكر له ما وقع بينه وبين الشيخ عبدالرحمن في ذلك أولاً.

         ثم لما أخبره عن ترحيب الشيخ عبدالرحمن بذلك ورعايته اطمأنّ لجواب الشيخ عبدالرحمن، وقال له: إذا كان الشيخ عبدالرحمن يتولَّى الاهتمام بابنك فأرسله، وكانت هذه فاتحة الخير بقدومه للمملكة العربية السعودية وطلب العلم فيها.

        ثم على إثرها قدم شيخنا عبدالصمد الكاتب المملكة العربية السعودية عام (1368هـ) ألف وثلاث مئة وثمان وستين هجرية،الموافق عام (1948م) ألف وتسع مئة وثمان وأربعين ميلادية وكان أول هذا أول قدومٍه للمملكة، وكانت أيام الحج، وعمره آنذاك ثمانية عشر سنة.

        ولمّا وصل المدينة توجّه لدار الحديث التي كان يتولّاها الشيخ عبدالرحمن الإفريقي – رحمه الله - وسلّم عليه، ثمّ سأل الشيخ عبدالرحمن أتعرفني؟ فقال له: أنت عبدالصمد بن محمد، وفرح بذلك، وقال له: أنت ابني.

        وكان الشيخ عبدالرحمن الإفريقي كما يحكي شيحنا عبدالصمد:

 (نِعم المعلّم، ونِعم المؤدِّب، ولم أر في حياتي كريمًا مثله، إلا إن كان الشيخ عبدالعزيز بن باز، وكان الشيخ عبدالرحمن عنده درسٌ في الحرم، ويأتيه الرزق من حيث لا يشعر).

        وبعد مضِيّ شهرين أصبح الشيخ يتحدَّث مع زملائه بلهجتهم، وبعد سنتين قويت لغته العربية جدًا.

طلبه للعلم وشيوخه في المملكة العربية السعودية:

       لازم شيخنا عبدالصمد الشيخ العلامة عبدالرحمن الإفريقي الذي كان يمثابة الأب له، ولما رآه الشيخ عبدالرحمن الإفريقي من فصاحته جعله قارئًا له.

        وقرأ على الشيخ عبدالرحمن الموطأ للإمام مالك كلّه، وسنن النسائي كلّه، وشيئًا من صحيحي البخاري ومسلم، ومشكاة المصابيح، ومصطلح الحديث، وبلوغ المرام، وشيئًا من نيل الأوطار.

        وقرأ في المدينة على الشيخ عبدالكافي وعلى الشيخ علي زنبويه رحمهما الله.

               وفي عام (1371هـ) ألف وثلاث مئة وواحد وسبعين للهجرة افتُتِح معهد الرياض العلمي واستُدعِيَ الشيخ عبدالرحمن الإفريقي – رخمه الله - للتدريس فيه، ودعا الشيخ عبدالصمد للذهاب معه إلى الرياض، فأجابه بأنه إنما جاء للمدينة ولم يأتِ للرياض، ويحتاج أن يكتب لوالده بذلك ويسأله.

         ثم كتب لوالده،  فأجابه والده عليك أن تذهب حيث يأمرك الشيخ عبدالرحمن، وبعد ذلك أرسل الشيخ عبدالرحمن الإفريقي تذاكر السفر لعائلته، وللشيخ عمر فلاته وللشيخ عبدالصمد للمجيء للرياض.

       ولما قدم إلى الرياض درَسَ الشيخ فيها في المعهد المتوسط، ثم في الثانوية أربع سنوات، ثم في كلية الشريعة أربع سنوات.

        وكان تخرّجه في كلية الشريعة (التي تعد نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) عام (1378هـ) ألف وثلاثمئة وثمان وسبعين وكان من الفوج الثالث من خريجيها.

 

ومن شيوخه بالرياض:

سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ من خلال القراءة عليه في مسجده.

الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي.

الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز، خلال تدريسه بالكلية، كما كان الشيخ عبدالصمد قارئًا له في الرياض خلال زياراته في البيوت.

الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي.

الشيخ محمد عبدالوهاب البنّا رحمه الله إذ قرأ عليه من العلوم العصرية الحساب والهندسة في المعهد بالرياض.

رحمهم الله.

أقرانه:

ومن أقرانه وزملائه في الدراسة:

 الشيخ العلامة محمد بن عثيمين.

 والشيخ عبدالله بن زاحم من أئمة الحرم النبوي.

والشيخ العلامة صالح الأطرم.

والشيخ عبدالله بن فنتوخ.

والشيخ محمد بن ردن.

والشيخ عبالرحمن البرّاك وكان بينه وبين الشيخ البرّاك زيارات، ووصفه الشيخ عبدالصمد بأنّه متواضعٌ خفيف الظلِّ، رحمهم الله جميعا.

 الأعمال التي باشرها:

        بعد تخرج شيخنا  عبدالصمد في كلية الشريعة، عُرِض عليه الرجوع إلى الهند، فاعتذر لأجل وجود بعض الديون عليه آنذاك، وكانت ستة آلاف ريال،  ثم جاءه مندوبٌ من المدير العام لكلية الشريعة فضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- شقيق سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (مفتي المملكة آنذاك)، وطلب من الشيخ عبدالصمد أن يكون مراقبًا للدور الثاني.

وكان الشيخ عبداللطيف يحبُّ الشيخ عبدالصمد ويودّه كثيراً.

        ومن المواقف التي ذكرها شيخنا عبدالصمد أنه ألقى مرةً كلمةً عن القومية العربية، وكانت رائجةً في ذلك الوقت، ولم يكن الشيخ عبداللطيف حاضرًا، ولكنها أثارت بعض الناس من الحاضرين، فأُخبِرالشيخ عبداللطيف بذلك، فطلب الشيخ عبدالصمد لينظر في كلمته، فلما قرأها عليه قال له: ما قلتَ إلا الحق.

        وقبل انتهاء الاختبارات أرسل الشيخ عبداللطيف للشيخ عبدالصمد رسولًا يخبره بتعيينه مدرسًا في المعهد العلمي بالمجمعة وعُيّن في1/4/1379 ، فسافر إليها  ومكث فيها عامًا دراسيًا، ومن تلاميذه آنذاك الشيخ الدريعي، ومعالي الشيخ د. عبدالله التركي.

        وفي نهاية العام أخبره مدير المعهد في المجمعة الشيخ عثمان الحقيل بإنهاء عقد للتدريس، ولما بلغ الخبر شيخه العلامة عبدالعزيز بن باز ذهب للشيخ عبداللطيف، ليشفع له بالبقاء، ثمّ عيّنه بعدها في المعهد العلمي ببلجرشي.

        ثم بعدها عُيّن الشيخ عبدالصمد مدرِّساً بجيزان، في صامطة في المعهد العلمي في العام الدراسي (1380-1381ه) لمدة ثلاثة أعوام دراسية.

فزامل الشيخ العلامة أحمد النجمي والتقى بالشيخ العلامة حافظ الحكمي- رحمهم الله-, وكان الشيخ أحمد النجمي يعزه كثيراً، ويسأل عنه، وإذا جاء المدينة زاره في بيته، إكراماً له كما في سفرته الأخيرة إلى المدينة.

ثمّ نُقِل إلى بلجرشي في (1/6/1383ه)واستمر فيها الى( 29/4/1384ه )

        ثم انتقل الشيخ عبدالصمد إلى المدينة، التي كانت أمنيته، وجاء لأجلها، فعُيِّن مدرِّساً بالمعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية في (1/7/1384هـ) واستمر فيها مدرسا لمادة الفرائض، وألفَّ كتاباً فيها، وهو مقرر في المعهد الثانوي، ومكث فيها إلى أن تقاعد في  (17/11/1409هـ).

         وخلال تدريسه في المعهد الثانوي فقد درس عليه خلْقٌ كثير غير الذين درسوا عليه في بيته.

        وكانت لشيخنا مساهمةٌ مستمرةٌ في توعية الحج في المدينة ومكة، وانتدب سنوات عديدة لتوعية الحجاج لحالة عمار إبان موسم الحج.

​        ​كما كانت له نشاطٌ كبير في الدعوة في المدينة وقُرَاها ضمن أنشطة مكتب الدعوة التابع لرئاسة الدعوة والإرشاد، إلى أن مرض قبل إحدى عشرة سنة من وفاته رحمه الله.

 

عقيدته ومنهجه:

كان شيخنا عبدالصمد حريصًا على التمسك بالكتاب والسنة، وعلى اعتقاد السلف ومن أبرز الدعاة إليه – لا سيما في بلاده الهند -، وكان ينبذ التعصب المذهبي والتقليد، وقد تُرى شِدّة منه بذلك نتيجة ما كان يراه من شدة التعصُّب المذهبيِّ  المفرِط بتقديم بعض المقلّدة أقوال الرجال على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

        وكان يحذّر أيضا من الخروج على ولاة الأمور من المسلمين لما في ذلك من مخالفة لنهج السلف، ولما فيها من مفاسد كثيره.

صفاته:

        أكرم الله شيخنا بخصال حميدة عظيمة، ولم تكن الدنيا همَّه، وكان الهمُّ الأكبرُ عنده الدين والصلاح والإصلاح، وعرفت في شيخنا التبكير للصلوات جماعة في المسجد، وأدائه للسنن في المنزل قبل الفريضة وبعدها، وعرقت فيه الحرص على ذكر الله تعالى، وقيام الليل، وكان شديد العناية به، وكذا صيام التطوع، والورع، والحرص على الرزق الحلال.

        ورأيت في شيخنا -رحمه الله- صفات جليلة عُرِفت من خصاله من الكرم والسخاء والبذل والعطاء، وكان لا يعرف شحًّا، وكثيرًا ما كنت أسمعه يردد: “أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا”.

وأما طلابه فأكتفي بما ذكره فضيلة الشيخ الدكتور محمد الوزربان حفظه الله:

“كنت أدرس في الصفوف الأولية في المعهد والشيخ عبد الصمد يدرس في الصفوف العليا وكنت أتمنى أن ادرس عليه لما نسمعه عنه من الطﻻب الذين يدرسهم من المدح و الثناء”

        كما كان شديد العناية بأهله وأولاده في الحرص عليهم التربية والتعليم على حب الكتاب والسنة وتعظيمهما، وتحقيق التوحيد، والحذر من الشرك والابتداع في الدين.

وكأنه كان يتمثّل دعاء إبراهيم خليل الله عليه السلام:  {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]

​        وكان يجعل لأهله وأولاده وقتًا خاصاً يومياً، يتدارس معهم كتاب الله وترتيله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحفظهم ذلك، ولم يكن يفرِّط في ذلك، ويعتذر عن استقبال الضيوف في هذا الوقت إلى أن يفرغ من درسه.

        وعرفت الشيخ صبوراً، ذا حكمةٍ في التَّعامل مع أهله وأولاده،  وكان دائم التوجيه في حثِّ أهل بيته على الصلوات ومتابعًا لإيقاظهم لصلاة الفجر بنفسه، ودائم النصح لهم إن بدت مخالفةٌ ما، شديد الإنكار على التشبّه بالكفار باللباس وغيره.

​        وكان يطالع كثيرًا حتى قبل مرضه، ويقضى أكثر وقته في المسجد (مسجد الرحمن)  المجاور لبيته إمامًا، بل هو الذي سعى لبنائه، وكان عامرًا بالدروس المثمرة، والحلقات الكبيرة في فنون متنوعة، في الفرائض والفقه والعقيدة، دون أي فتورٍ أو مللٍ في ذلك، بل كان لا يردّ طلب أحد يريد القراءة عليه في شيءٍ من العلوم.

        وكان الشيخ ذا عناية بلباسه ومظهره، وملازمًا لخضاب رأسه ولحيته، دائم التطيب بل لم يكن يفارقه، وأكثر ما كان يلبس البياض من الثياب، وأكثر ما دائمًا يُرى في مشلحه في أوقاته وأسفاره خارج المنزل وفي جميع الصلوات إماماً ومأموماً،  وهذا تحقيقٌ لقول تعالى {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].

        وكان ذا دماثة خُلُق مع زملائه وطلابه أيضاً.

        وكان بديع الخط، وقد أتقن تلميذه فضيلة الشيخ د.علي الحذيفي الخط من تعليمه له، حتى شابه خطُّ الحذيفي خطَّه؛ لشدة العناية به.

كراماته:

من المواقف المتعلقة بشيخنا عبدالصمد رحمه الله والتي نرجوا أن تكون من كرامات الله لأوليائه – ولا نزكي على الله أحدا – منها:

        وقعت له ثلاثة حوادث  في طريق الجنوب كما تخبر ابنته أم حمزة وفي إحداها ذهبت السيارة حطاما وسلمه الله  عزّ وجلّ بمنّه وفضله.

        والأعجب ما وقع له ومما أدركته أنه في عام 1397 للهجرة انقلبت به السيارة التي كان يقودها – وكانت لزميله الشيخ خالد النزهة حفظه الله  -  في واد قريبا من المدينة خلال عودته من مكة أو جدة، وكان صائما آنذاك ويريد إدراك الدرس بعد المغرب بالمدينة، وسلمه الله من الحادث ولم يذهب حتى للمستشفى إنما أصيب برضوض يسيرة فقط.

        وتذكر ابنته أم نورة أنه فُقد يوما اثنان من أولاده وكانا صغيرين حيث لحقا  بأمهم عندما كانت تدرس في محو اﻷمية وتم البحث عنهما ولم يوجدا، فقام الشيخ فتوضأ وأخذ يصلي – رغم أن الوقت كان بعد العصر- ثم رجعا سالمين بحمد الله.

        وكان كثيرا ما يُذّكر- رحمه الله – أولاده بالفزع إلى الصلاة إذا ألمّ بهم شيء أسوة وعملا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فزعه أمر قام إلى الصلاة.

        ومن المواقف التي ذكرها ابنه الشيخ عبداللطيف أن والده الشيخ عبدالصمد – رحمه الله – ذهب الى الصعبية مرة – وهي محلة أصهاره المطران في مهد الذهب – للدعوة، وقد حضر عنده بعض المُرقين الذين يقرؤون على اللديغ من العقارب أو الحيات، فقال الشيخ رحمه الله لهم:

إقرؤوا عليّ رقياكم.

 فقالوا: نقول: بسم الله أول بسم الله ثاني بسم الله ثالث…. إلى بسم الله عاشر.. بسم كليمي الله موسى.

فقال الشيخ: حسبكم لو متم على ذلك فأنتم خالدين مخلدين في النار دعوتم الله عشر وفي الحادي عشر أشركتم به.

فحذرهم من الشرك وخطره وأخبرهم عن الرقية الشرعية، وكان هذا وقت العصر، وعند المغرب إراد الشيخ – رحمه الله – أن يتوضأ فوضع مشلحه على أحد خزائن المصاحف فلبسه بعد الوضوء، وبدأ يلقي كلمته، فإذا بشيء يقرصه في حلقه، فنفض حلقه بيده، فبحثوا عن العقرب فلم يجدوها، إنما أحسّ بألم قوي في حلقه، فأصبح يقرأ على نفسه حتى الفجر، وكان يتصببّ عرقا طول الليل، وصلى بهم فجر الجمعة، وبعد الصلاة استمر في رقية نفسه إلى أن حضر وقت الجمعة، فذهب ما فيه من وجع، وخطب بهم الجمعة، وصلى بهم والحمد له. وكان يقول السُمّ ذهب عن طريق العرق.

من أنشطته في الدعوة:

يعد الشيخ من أبرز دعاة التوحيد والسنة في وقته، وخاصة في ديار الهند، وكان ذا همة عالية في الدعوة، لا يعرف الفتور في النصائح والتوجيهات، والدروس المستمرة في مسجده الأول المشهور بمسجد (صيّاف) (مسجد الإيمان حاليًّا) بالحرّة الشرقية.

        وقد رزقه الله محبة العوام للطافته، وحسن أسلوبه، وتواضعه، وتيسير طريقته في التدريس والتعليم معهم، وهذا من أبرز مزايا الشيخ في دعوته في نزوله للعوام في التعليم والتدريس والتربية، فهدى الله على يديه كثيرًا منهم إلى التوحيد والسنة والاستقامة، ومنهم:

الشيخ صياف الحربي، ومشبب القحطاني، والشيخ زويد المطيري، رحمهم الله، والشيخ شباب المطيري حفظه الله.

        ​كما كان الشيخ لا يفتر في الرحلات الدعوية مع طلاب الجامعة من جنسيات متعددة، يربي خلالها الطلاب ويدربهم على الخطابة والتدريس وحمل همّ الدعوة إلى التوحيد والسنة ورد الشرك والتحذير من البدع في المساجد، وفي القرى والهجر وفيما بينهم، وكان من ضمن الشباب آنذاك أخوناالشيخ حسين ذياب من فلسطين، والشيخ الدكتور محفوظ الرحمن والشيخ نور الله شهباز من الهند والشيخ حزام الهبلول من اليمن رحمهم الله جميعًا، والشيخ د. وصي الله عباس ود. عبدالعليم عبدالعظيم ود. عبدالباري فتح الله وغيرهم كثير ممن يصعب حصرهم.

        وخرجنا معه ضمن الأنشطة الطلابية إلى أحد وخَيّمنا هناك وإلى ينبع وإلى مكة، وكانت كل نفقات هذه الرحلات من مواصلات وطعامٍ على نفقته الخاصة جزاه الله خيرًا ورحمه.

​        وكان خطيبًا بارعًا عجيبًا بلغته الأم وباللغة العربية، بل لا يكاد يميّز أحد بينه وبين غيره من العرب الأقحاح؛ لفصاحته، ورأيت ذلك في مؤتمرٍ حضرته في الهند لأهل الحديث هناك الذين يُسموا بالمجاهدين، وقد حضره عدد من العلماء والشيوخ من الكويت والإمارات والسعودية، في مدينة فاروق عام 1981هـ في  ولاية كيرلا جنوب الهند.

صلاته بأهل العلم:

كان شيخنا محل ثقة كبيرة لدى سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وكانت علاقتهما قويةً، وكان ابن باز يستشيره ويكاتبه في خصوصِ أمورِ الهند.

        كما كان شيخنا العلامة عبدالمحسن العباد – حفظه الله – متعاهدًا للشيخ بزيارته خلال مرضه في السنوات الأخيرة.

        وقد زار الشيخ عبدالصمد شيخنا العلامة الألباني بالأردن عام 1403ه، ولما جاء الألباني المدينة عمِل له دعوةً كبيرةً مشهودةً فرحًا بذلك، وكان مجلسًا طويلًا على سطح بيته امتلأ فيه الحضور.

وكانت له صلة وثيقة بشيخنا بديع الدين الراشدي السندي رحمه الله.

وكان العلاَّمة محمد تقي الدين الهلالي – رحمه الله – ينـزل عنده في بيته ويأنس به.

        وكانت له علاقات قوية واهتمام مع المؤسسات والجمعيات الدعوية بالهند وخاصة جمعية أهل الحديث المركزية، والجامعة السلفية ببنارس، والجامعة الندوية في كيرلا.

وأمّا دار الأيتام بكيرلا التي تأوي قرابة ألف يتيم، مع مستشفى تابع لها، مع تعاهدها وعضويةٍ لإداري في عدد من الفترات.

وكان للشيخ دورٌ كبيرٌ في تصحيح مسار الجامعات بالهند، إضافةً إلى سعيه للإصلاح فيما بينهم.

وكانت صلاته وثيقة بالشيخين شيخنا حماد بن محمد الأنصاري وشيخنا المحدث الشيخ عمر بن محمد فلاته رحمهما الله.

الكتب التي قرئت عليه:

        قرئت على شيخنا كتبٌ في الفرائض،ومنها كتابه الذي ألّفه، ولا يزال مقرّرًا في الجامعة، وطبع عدة مرات، وشرح العقيدة الطحاوية، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، والأجرومية في النحو.

رحلاته:

رحلات الشيخ لا تخلو من الدعوة إلى الله فيها بل لا أعرف له رحلات لغير ذلك، ومن الأمصار التي سافر إليها:

 الأردن، والكويت، وقطر ،ومصر ،والهند ،وباكستان ،وبريطانيا، وزار فيها عدة مدن وحضر مؤتمرًا فيها لأهل الحديث.

        وكان يدعو أيام جهاد الأفغان ضد الروس إلى التوحيد ونبذ الشرك، وذهب آنذاك عند الشيخ جميل الرحمن رحمه الله، وكان كثيرًا ما يردد: ” عليكم بتوحيدين: توحيد الله عز وجل وتوحيد صفوفكم”.

 تلاميذه:

        تلاميذه الذين درسوا عليه في مقاعد الدراسة، ابتداءً من المجمعة التي درّس فيها بعد تخرجه مباشرةً، ثمّ في المعهد العلمي بصامتة، وبلجرشي، والمعهد الثانوي بالجامعة منذ التحاقه بالتدريس فيها إلى أن تقاعد كثيرون، ثم في مسجده المجاور لبيته من خلال الدروس المستمرة فيه.

وكان من أبرز تلاميذه في بلجرشي فضيلة الشيخ الدكتور علي الحذيفي والشيخ عبد الله فرح الغامدي مقدم برنامج نور على الدرب سابقاً، والشيخ أحمد عزيز الغامدي – رحمه الله_ الذي كان يعمل في إدارة تعليم البنات بالمدينة.

مآثره:

ليس للشيخ كبير تأليفاتٍ لانشعاله بالدعوة في جُلّ وقته وأسفاره لذلك. وله:

  • كتاب (الفرائض) وهو مقرر في المعهد الثانوية   في الجامعة الإسلامية.
  • شرح لمتن الرحبية متداول في أشرطة مسجلة وعددها اثنا عشر شريطا.
  • مقدمات في أصول الفقه أملاها قبل مرضه ولم يكملها.

مرضه ووفاته:

أصاب شيخنا المرض جعله الله كفارة له، وفي إحدى أيام مرضه قالت له إحدى حفيداته بجدة: أقرأ عليك فقال: اقرئي، فقرأت عليه من كتاب القول المفيد شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين رحمه الله قالت: فقرأت عليه، ولا يزال يقول: استمري في القراءة، حتى قرأتْ عليه مئة وخمسين صفحة.

وطلب من حفيدة أخرى أن تقرأ القرآن، فقرأت، وهو يقول لها: زيدي، حتى قرأت تسعة أجزاء وهو يسمع.

وكان شديد التعلق بالمدينة وبمكتبته التي في بيته فيها، حتى كان يقول وهو بجدة: أريد الرجوع للمدينة، فقيل له: اشتقت لأيش؟ فقال لمكتبتي و “المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون”.

        ولكن إرادة الله عز وجل فوق كل شيء، إذ وافته المنية في الرياض ليلة الأحد من شهر رجب خلال زيارته لابنه عبداللطيف، وكان يُقرأ عليه القرآن وهو يسمع ثم نام بعد ذلك، وقبضت روحه خلالها مع العشاء تقريبًا، وكان على هيئة النائم تمامًا، وكما أخبرني أحد الإخوة الذين شاركوا بالتغسيل.

وصلي عليه عصر يوم الأحد 15/ 7/ 1431هـ ودفن بمقبرة النسيم وهو في عقد الثمانين من عمره.

كما عزى بالشيخ كثير من أهل العلم والفضل ومدراء الجامعات والأساتذة  وطلاب العلم ومحبيه. فرحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته وزرق أهله وذريته الصبر والسير على طريقته في تعظيم الكتاب والسنة والدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك والخرافة.

والحمد لله رب العالمين.

 

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2013 القالب مقدم اهداء من تطوير ويب سايت عرب

الصعود لأعلى